راديو صوت بيروت إنترناشونال

الطاعون ورقصة الموت

د.محمد فتحي عبد العال

انه المرض الذي اقترن بالموت دوما عبر صفحات التاريخ فهو مرض قديم ومعدٍ  حصد الملايين من الأرواح في العصور القديمة والوسطى، ولهذا أطلق عليه الطبيب الألماني يوستوس هيكر مسمي الموت الاسود في كتابه الشهير الذي حمل عنوانه”الموت الأسود في القرن الرابع عشر“.

وذلك بعد أن تسبب في وفاة  أكثر من 50 مليون شخص في أوروبا.

والحقيقة أن اللون الاسود الذي التصق بهذا المرض لا تقتصر دلالته علي الموت فحسب بل هو جزء لا يتجزء من طبيعة هذا المرض ذاته حيث تنطوي اعراضه علي بقع نزفية ً حمراء منتشرة  تحت  الجلد لا تلبث أن  تتحول إلى بقع سوداء مخيفة.

ومن الاعراض الاخري التي تنتاب مريض الطاعون الشعور بالصداع والبرد في الأطراف، وسرعة في ضربات القلب، ثم يحدث نزيف تحت الجلد، ويسبب لطخات على الجلد،

ثم يبدأ الجهاز العصبي في الانهيار، ليعقب ذلك عددا من الاضطرابات العصبية الغريبة والتي يتمايل منها المريض وكأنه يرقص رقصة الموت، والتي لا تدوم طويلا فما هي الا ايام عدة ويتشح الجلد باللون الأسود ويفارق المريض الحياة.

قد يصاب مريض الطاعون بالالتهاب السحائي meningitis كأحد المضاعفات النادرة وقد يصاب أيضا بهبوط شديد بضغط الدم والناشئ من العدوى بميكروب الطاعون septic shock كما قد يحدث موت للأنسجة و التهاب أو نزف  الأغشية حول القلب pericarditis وكل ذلك قد يؤدى للوفاة .

ويرجع السبب في الطاعون الي نوع من البكتيريا  حيوانية المنشأ تسمى يرسينيا طاعونية نسبة إلى مكتشفها الطبيب الفرنسي السويسري ألكسندر يرسن عام ١٨٩٤. و

هذه البكتيريا تشتهر بها القوارض مثل الفئران، وتتكاثر بداخلها وتنمو، وتنتقل إلى الإنسان عن طريق البراغيث التي تلدغ الفأر المعدِى ثم تلدغ الإنسان، أو نتيجة عض الفئران المعدية للإنسان بشكل مباشر، أو تنتقل العدوي من شخص إلى آخر بصورة مباشرة من خلال الرذاذ والكحة والعطس وذلك في حالة الطاعون الرئوي ومن الحيوانات الناقلة للمرض ايضا القطط والكلاب.

ويوجد نوعان رئيسيان من عدوى الطاعون هما: الطاعون الدبلي والطاعون الرئوي، والطاعون الدبلي هو الشكل الاكثر شيوعاً ، ومن أعراضه التورم المؤلم للعقد اللمفية أو “الأدبال” ويمكن أن تتحول العقد اللمفية الملتهبة في مراحل العدوى المتقدمة إلى تقرحات مليئة بالصديد وهو النوع الذي اشار اليه النبي صلي الله عليه وسلم في اعجاز نبوي خالد ففي حديث  روي عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: ” غدة كغدة البعير يخرج في المراق والإبط “..

اما النوع الثاني وهو الطاعون الرئوي و الذي يصيب الرئتين فهو الأشدّ فتكاً وهو شكل نادر من المرض، ويمكن ألا تزيد فترة حضانته على 24 ساعة.

وينجم هذا الطاعون في العادة عن انتشار الطاعون الدبلي بمرحلة متقدمة في الرئتين، كما أن أي شخص مصاب بالطاعون الرئوي  باستطاعته نقل عدوى المرض إلى اشخاص آخرين بواسطة الرذاذ المتطاير من فمه.

وقد يموت المريض المصاب بالطاعون الرئوي إذا لم يُشخّص ويُعالج في مرحلة مبكرة. كلا النوعين السابقين يؤديا الي نوع ثالث وهو طاعون التسمم الدموي والذي يحدث عندما يتضاعف عدد البكتريا المسببة للطاعون بالدم ومن اعراضه السخونة والرعشه والام البطن والاسهال والقيء والنزيف وحدوث غرغرينة في الاطراف.

في الماضي حاط هذا الوباء طرائف عدة من حيث اسبابه وطرق الوقاية منه لطول صحبته القاتلة للبشر !!!

ولعل من الطفها سؤال السلطان المملوكي الاشرف برسباى -وقد انتشر الطاعون في مصر في زمانه الي درجة موت اربعة وعشرين الفا كل يوم- للفقهاء والعلماء فى مجلسه : هل يعاقب الله الناس بالطاعون بسبب ذنوبهم؟ فأشاروا عليه: إن الزنا إذا فشا فى قوم ظهر فيهم الطاعون، وأن النساء يتزيّن ويمشين فى الطرقات ليلاً ونهارا فأصدر السطان برسباى من فوره قرارا  بمنع النساء من الخروج من بيوتهن الي الشوارع والطرقات حتي  يتوقف  الطاعون بالبلاد !!! غير انه سرعان ما أصيب برسباي نفسه بالطاعون والواضح ان طبيبه المصري شمس الدين ابن العفيف قد نجح في تخفيف بعض اعراض مرضه بالطاعون في مراحله الاولي والخاصه بالبطن والاسهال وهو ما يتضح من هذه الوصفة العلاجية التي كتبها ابن العفيف لعلاج برسباي والتي أخذت شكل التذكرة العلاجية بشكلها الحالي ونستعرضها لندرتها فيما يلي:

وجاء نص الروشتة كالآتي:

[الحمد لله وحده

سفوف يعرف بسفوف الكفاية من ديوان

ابن العفيف ريس مرستان مصر قال يؤخذ

فرض ربع قدح أنيسون مثله شمار مثله كمون

كرماني وزن أوقيتين.. كابلي وفيه سنانير أوقية

بذركشرت أوقية شيح شامي أوقية لوز أوقيتين

تحمص القرض والشمر ويطحنوا ويدق بقية الحوائج

وأجمعهم وضف إليهم من ماء الفجل الرملي

ثلاث أواق وماء شمر أخضر مثله وورق حزمتين

ريحان وورق حزمة نعناع وماء عنب ديب

ثلاث أوق ثم ورق حزمة مرسين

طري مدقوق وماء كرفس ثلاث أواق

فيخلط الجميع ويسقى بهم السفوف ثم يجف

ثم يعاد كذلك حتى يشربوا جميع الماء

ويضاف إليهم ربع رطل سكر أبيض

ويسف منه صباحا ومساء نافع

ذلك لداء في الجوف]

غير انه وربما كان ذلك راجعا الي المضاعفات العصبية اللاحقة للطاعون والتي لم يكن لهذا الطبيب المام بها في هذه العهود القديمة فقد تنكر برسباي لطبيبه وقلب له ظهر المجن فأمر بشقه نصفين بالسيف ضاربا مثالا لجزاء سنمار!!!

كما امر بنفي الكلاب الي الجيزة وجعل لكل من يمسك كلبا نصف فضة فانبري الشعب في جمع الكلاب الحصول علي المكافأة وربما كان ذلك راجعا الي معرفتة ان الكلاب سر مرضه فأراد ان يتخلص من الكلاب وشعبه دفعة واحدة!!!!!

كما اطلق سراح المساجين لديه واغلق السجون فعمت الفوضي وانتشرت السرقات !!!

وللوقاية من الطاعون : يجب تجنب أماكن تواجد الحيوانات العائلة للمرض وأهمها الفئران و التخلص منها ومن الحشرات الناقلة -وأهمها البراغيث عند تواجد الطاعون  كما يجب عدم السفر الي البلاد الموبوءة بالطاعون وكذلك العزل الإجباري للمريض في أماكن خاصة في المستشفيات حتى يتم الشفاء التام  وهنا تتجلي عبقرية النبي صلي الله عليه وسلم عندما قال : ” الطاعون آية الرجز ابتلى الله عز وجل به أناساً من عباده، فإذا سمعتم به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه ” .

كما يجب تطهير إفرازات المريض ومتعلقاته والتخلص منها بالحرق و تطهير أدوات المريض بالغلي أو البخار تحت الضغط العالي حتي يتم تطهير غرفة المريض جيدا بعد انتهاء الحالة .

كما يجب علي مقدمي الرعاية الصحية لبس القفازات والمرايل والاقنعة وقديما  كان ”طبيب الطاعون“  يرتدي قناعاً شبيهاّ بالمنقار ومملوءاً بالمواد العطريّة لتحميه من الهواء العفن المحيط بالمرضى، فأصبح هذا الوجه فيما بعد أحد الرموز المميّزة لتلك الحقبة.

ومن الاجراءات التي لا تقل أهمية  التدقيق في ملاحظة المخالطين للمرضى و خاصة عند ظهور أي أعراض عليهم – مثل ارتفاع الحرارة أو تورم بالغدد الليمفاوية فيجب البدء في إعطائهم المضادات الحيوية .

يشمل علاج الطاعون أدوية متعددة علي رأسها المضادات الحيوية فكان يستخدم قديما لعلاج الطاعون الدبلي  دواء الستربتوميسين كخط دفاعي اول في العلاج الا ان الدراسات الحديثة تشير الي فاعلية اكبر لجنتاميسين وفي حالة التهاب أغشية الدماغ يعطى المريض الكلورامفينيكول لقدرته علي الوصول والتركز فى السائل المخى الشوكى وقد وافقت هيئة الغذاء والدواء الامريكية علي استخدام اليفوفلوكساسين وموكسيفلوكساسين في العلاج وفي الوقاية عند التعرض للطاعون  أما دواء البنسلين فلا يفيد إطلاقا في علاج أي نوع من أنواع المرض.

هذا وقد يحتاج المريض إلى أكسوجين لمساعدته في التنفس كما ان أغلب المرضى يعانون من انخفاض شديد بضغط الدم بسبب العدوى بميكروب الطاعون مما يتطلب متابعة المتخصصين لهم في وحدة العناية المركزة. أما أقارب المريض و العاملين في المستشفى فيتم احتراز إصابتهم بالمرض، وذلك عن طريق اعطائهم التيتراسايكلين أو الدوكسيسايكلين وذلك لمدة سبع أيام .

د.محمد فتحي عبد العال

صيدلي وماجستير في الكيمياء الحيوية